مُفطِّرات الصيام: ما الذي يُبطل الصوم وما لا يُبطله؟ دليل مفصّل
دليل شامل لمفطِّرات الصيام: الأكل والشرب، الجماع، الاستمناء، الحجامة، الحقنة، قطرة العين والأذن، الكحل، المضمضة، وأكثر من 20 مسألة دقيقة بحكمها الصحيح.
من أهم مسائل الصيام معرفة ما يُفسده وما لا يُفسده. كثير من الناس يتوهّم أن أشياء تُفطّر وهي لا تُفطّر، أو يستهين بأشياء تُفطّر وتوجب الكفارة. هذا الدليل يستعرض المفطِّرات المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها وخلاصة كل مسألة.
المفطِّرات المتفق عليها
قال الله تعالى: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» [البقرة: 187]. فدلّت الآية على المفطِّرات الثلاثة الكبرى:
الأكل والشرب عمداً
يُفطّر الأكل والشرب الحلال والحرام على السواء — ولو كان الماء. أما من أكل ناسياً أو مُكرَهاً فصومه صحيح.
دليله: الآية + «من أكل ناسياً فليُتمّ صومه» [متفق عليه]
التدخين والبخور المستنشق
التدخين مُفطِّر لأنه إدخال شيء إلى الجوف عمداً. أما البخور المُتعطَّر به دون استنشاق متعمّد فلا يُفطّر.
الجماع عمداً
يُبطل الصيام ويوجب الكفارة الكبرى (عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً).
الاستمناء العمد (بلوغ المنيّ)
يُبطل الصيام ويوجب القضاء دون الكفارة. أما الاحتلام فلا يُفطّر لأنه بغير إرادة.
القيء المتعمَّد
من تعمّد القيء أفطر ووجب عليه القضاء. أما من غلبه القيء فلا شيء عليه. قال ﷺ: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقضِ» [أبو داود، صحيح].
المسائل الدقيقة — ما يُفطّر وما لا يُفطّر
وللتوسّع في الحقن والقطرات والأدوية والعمليات وما استجدّ من إجراءات طبية راجع مسائل الصيام المعاصرة.
| المسألة | الحكم | التفصيل |
|---|---|---|
| الحقنة الوريدية (مغذّية) | تُفطّر | الحقنة الوريدية المغذّية تقوم مقام الأكل — تُفطّر عند جمهور المعاصرين |
| الحقنة العضلية / تحت الجلد | لا تُفطّر | حقن الدواء في العضل أو تحت الجلد لا تُفطّر لأنها لا تصل الجوف ولا تُغذّي |
| قطرة العين | لا تُفطّر (الراجح) | العين ليست منفذاً للجوف — الراجح عدم الإفطار وإن وجد طعمها في الحلق |
| قطرة الأذن | لا تُفطّر (الراجح) | الأذن ليست طريقاً للجوف إلا إن كان طبلة الأذن مثقوبة فيُحتاط |
| الكحل وقطرات العين التجميلية | لا تُفطّر | الكحل لا يُفطّر ولو وجد طعمه في الحلق — قول الجمهور |
| بخاخ الربو (الاستنشاق) | خلاف — والأصح تُفطّر | مادة الدواء تصل الرئتين وجزء منها يُبتلع — الأصح أنه مُفطِّر مع جواز استخدامه لضرورة طبية |
| المضمضة والاستنشاق | لا تُفطّر | يُستحب عدم المبالغة فيهما. يُستحب السواك والمضمضة للصائم في أي وقت |
| الحجامة (إخراج الدم) | خلاف كبير | قول ابن تيمية وابن باز: تُفطّر. قول الجمهور: لا تُفطّر. الأحوط اجتنابها في رمضان |
| التبرّع بالدم / تحليل الدم | لا تُفطّر | إخراج الدم بالإبرة لأغراض طبية لا يُفطّر ولا تُقاس على الحجامة |
| غسيل الكلى (الديلزة) | تُفطّر | غسيل الكلى يُدخل مواد مغذّية للدم — يُفطّر ويترتب عليه حكم المريض |
| معجون الأسنان | لا يُفطّر | ما لم يبتلع منه شيئاً عمداً — ويُستحب تجنّبه في وقت الصيام احتياطاً |
| ابتلاع الريق | لا يُفطّر | ابتلاع الريق في الفم لا يُفطّر بإجماع العلماء |
| القبلة والمباشرة دون إنزال | لا تُفطّر (مع الكراهة) | جائزة لمن ملك نفسه، مكروهة لمن لا يأمن على نفسه |
ما لا يُفطّر بالاتفاق
القاعدةُ الضابطة — ما الذي يجعل شيئاً مفطّراً؟
قبل حفظ القوائم، احفظ القاعدة. فالمفطِّرُ عند أهل العلم ما اجتمعت فيه ثلاثةُ أوصاف، ومتى تخلّف واحدٌ منها لم يُفطّر:
أن يكون داخلاً إلى الجوف
من منفذٍ معتاد — فما لم يصل الجوف، أو وصل من غير منفذٍ معتاد، محلُّ خلاف
أن يكون عن عَمْدٍ وذِكْر
فالناسي والمُكرَه والمخطئ لا يُفطرون — «فإنما أطعمه الله وسقاه»
أن يكون عالماً بالحكم والوقت
فمن أكل يظنّ الفجر لم يطلع وقد طلع، أو يظنّ الشمس غربت ولم تغرب، فالراجحُ صحّةُ صومه
وبهذه القاعدة تُحلّ أكثرُ النوازل المعاصرة من غير حاجةٍ إلى حفظ قائمةٍ لكل جديد.
المسائلُ الطبية — الجدولُ الذي يُسأل عنه كل رمضان
| المسألة | الحكم | لماذا؟ |
|---|---|---|
| بخّاخ الربو | لا يُفطّر (الراجح) | غازٌ يصل الرئة لا الجوف، وليس طعاماً ولا شراباً |
| الحقنُ العضلية والوريدية غير المغذّية | لا تُفطّر | ليست منفذاً معتاداً ولا تُغني عن الطعام |
| الحقنُ المغذّية (المحاليل الوريدية) | تُفطّر | تقوم مقام الطعام والشراب فتأخذ حكمهما |
| سحبُ الدم للتحليل | لا يُفطّر | قليلٌ لا يُضعف البدن — بخلاف التبرّع بكيسٍ كامل فيُكره ويُقاس على الحجامة عند من أفطر بها |
| قطرةُ العين والأذن | لا تُفطّر (الراجح) | العينُ والأذنُ ليستا منفذاً معتاداً للطعام |
| قطرةُ الأنف والاستنشاق | تُفطّر إن وصلت الحلق | الأنفُ منفذٌ إلى الجوف، ولذا نُهي الصائم عن المبالغة في الاستنشاق |
| غسيلُ الكلى | يُفطّر | يُدخَل فيه محلولٌ مغذٍّ إلى الدم — ومريضُه غالباً من أهل الفدية |
| المنظارُ بلا مادة | لا يُفطّر | آلةٌ لا طعام — فإن صحبته مادةٌ مغذّية أو دهنيةٌ تصل المعدة أفطر |
| معجونُ الأسنان والسواك | لا يُفطّر | ما لم يبتلع منه شيئاً — والأولى تأخيرُ المعجون إلى الليل |
| اللصقاتُ الجلدية والمراهم | لا تُفطّر | تمتصُّها البشرةُ إلى الدم لا إلى الجوف |
⚠️ ولا تترك دواءك بناءً على جدول. من كان على علاجٍ لازمٍ في النهار فبابُ الرخصة مفتوحٌ له أصلاً، فيُفطر ويقضي — ولا يُعرّض نفسه للضرر ليصوم. راجع أحكام المريض في الصيام واستشر طبيبك في نقل مواعيد الدواء إلى الليل.
ما يُكره ولا يُفطّر
- المبالغةُ في المضمضة والاستنشاق — لقوله ﷺ لِلَقيط: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» [رواه أهل السنن]. فإن سبقه الماءُ من غير مبالغة فلا شيء عليه.
- تذوّقُ الطعام لحاجةٍ كطبخٍ أو شراء — جائزٌ ما لم يبتلع، وتركُه أولى لغير حاجة.
- القُبلةُ لمن يملك نفسه — فعلها ﷺ وهو صائم، وتُكره لمن يُخشى عليه تجاوزُها.
- الحجامةُ والتبرّع بالدم — الجمهور على أنها لا تُفطّر، وذهب الحنابلة إلى الفطر بها. والأحوطُ تأخيرُها إلى الليل خروجاً من الخلاف.
- الاغتسالُ والتبرّد بالماء — لا يُفطّر بحال، وكان ﷺ يصبّ الماء على رأسه من العطش وهو صائم.
ما يُنقص الأجر ولا يُبطل الصوم
بابٌ يغفل عنه من حفظ قائمة المفطّرات وحدها. فالمعاصي القوليةُ والفعلية لا تُبطل الصوم عند جمهور أهل العلم — بمعنى أنه لا يلزمه قضاء — لكنها تُذهب أجره أو أكثره، وهو المقصود بقوله ﷺ: «من لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» [رواه البخاري].
- الغيبةُ والنميمة والكذب — أشهرُها وأكثرُها وقوعاً، وأعظمُها إذهاباً للأجر.
- السبابُ والمخاصمة — وقد أرشد ﷺ الصائم إذا سابّه أحدٌ أن يقول: «إني صائم» ولا يردّ.
- النظرُ المحرّم وسماعُه — والصيامُ إنما شُرع لتربية الإرادة، فمن أمسك بطنه وأطلق بصره فقد ناقض مقصوده.
- إضاعةُ النهار كلِّه في النوم — لا يُبطل الصوم لكنه يُفوّت أعظم ما في الشهر.
📌 والفرقُ عمليٌّ لا لفظي
من أكل عمداً لزمه القضاء لأنه أبطل الصوم. ومن اغتاب لا قضاء عليه لأن الصوم قائم — لكنه خسر ثمرته. فلا يُقال «صومُه باطل» ولا يُقال «لا شيء عليه»؛ الأولُ خطأٌ فقهي والثاني تهوينٌ في غير محلّه.
ماذا على من أفطر متعمّداً بلا عذر؟
هذا من كبائر الذنوب، ويلزمه أمران: التوبةُ النصوح وقضاءُ اليوم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن القضاء لا يُجزئه لأنه فوّت العبادة في وقتها عمداً، والأحوطُ أن يقضي مع كثرة الاستغفار والعمل الصالح.
- ولا كفارةَ عليه عند جمهور أهل العلم إن كان فطرُه بأكلٍ أو شرب — فالكفارةُ الكبرى خاصّةٌ بالجماع. وأوجبها المالكيةُ في كل فطرٍ عمديٍّ انتهاكاً لحرمة الشهر.
- ويلزمه الإمساكُ بقيّة اليوم احتراماً للشهر، ولا يُجزئه ذلك عن القضاء.
- ومن ترك الصيام بالكلّية جحوداً لوجوبه فأمرُه أعظم، وأما تركُه تكاسلاً فهو على خطرٍ عظيم مع بقائه في دائرة الإسلام عند جماهير أهل العلم.